حسن حنفي

604

من العقيدة إلى الثورة

الأولى . ولا يزال التكوين والتكرير ، الاختبار والتكليف في الدنيا حتى يمتلئ مكيال الخير ومكيال الشر . فإذا امتلأ الأول أصبح العمل كله طاعة والمطيع خيرا خالصا فينقل إلى الجنة وكأنه لم يلبث طرفة عين . ومطل الغنى في الحياة وحبه لها ظلم له . وإذا امتلأ مكيال الشر صار العمل كله معصية والعاصي شرا محضا فينتقل إلى النار وكأنه لم يلبث طرفة عين « 326 » . وقد يعبر عن رسالة الانسان في الحياة فنيا بالصورة فتنشأ أمور المعاد ، فتكون الدنيا دار عمل ، والآخرة دار جزاء . وتتحول رسالة الانسان في الحياة ليحققها . فمن حقق رسالته ارتفع إلى أعلى عليين ، في مكانة أفضل من الذين استمروا في النعيم الدائم لأنهم حصلوا على جزائهم بجهدهم لا بخلقهم . وإذا لم يحققوا الرسالة هبطوا أسفل سافلين ، تسلب منهم الرسالة ويتحولون إلى أقل مرتبة في الوجود ، وهي مرتبة غياب الوعي وحياة الشعور . ثم تعطى لهم فرصة ثانية للاختبار والتكليف . وهكذا تستمر الحياة ، تكليف برسالة ، ونجاح أو فشل في التحقيق ، لا نهاية ولا يأس ، بل عملية مستمرة لمزيد من الارتفاع للبعض ومزيد من الانخفاض للبعض الآخر حتى يظهر التقابل بين الملاك والحيوان ، بين النعيم المطلق والعذاب المطلق ، بين حياة الوعي وحياة اللاوعى ، بين اليقظة والموت « 327 » .

--> ( 326 ) عند أحمد بن حابط الديار خمس : داران للثواب والثالثة للعقاب والرابعة للابتداء والخامسة للابتلاء . دار الابتداء هي التي كلف الخلق فيها بعد أن اختبروا في الأولى . وهذا التكوين والتكرير لا يزال في الدنيا حتى يمتلأ المكيالان ، مكيال الخير ومكيال الشر . فإذا امتلأ مكيال الخير صار العمل كله طاعة والمطيع خيرا خالصا فينتقل إلى الجنة ، ولم يلبث طرفة عين ، فان مطل الغنى ظلما . وإذا امتلأ مكيال الشر صار العمل كله معصية والعاصي شريرا محضا فينتقل إلى النار ، ولم يلبث طرفة عين ، الملل ج 1 ص 94 . ( 327 ) عند أحمد بن بانوش خلق الله الخلق دفعة واحدة . خلق أولا الاجزاء المقدرة التي كل واحد منها لا يتجزأ . وتلك الأجزاء أحياء عاقلة سوى الله بينهم في جميع أمورهم إذ لم يستحق الواحد منهم تفضيلا على غيره ولا كان من أحد منهم جناية يؤخر لأجلها عن غيره .